ياقوت الحموي

18

معجم البلدان

فكم قد مر من عدد الليالي ، لعصر كما ، وعام بعد عام وإنكما ، على مر الليالي ، لأبقى من فروع ابني شمام فإن أهلك ، فرب مسومات ضوامر تحت فتيان كرام فرائصها من الاقدام فزع ، وفي أرساغها قطع الخدام هبطن بهن مجهولا مخوفا قليل الماء مصفر الجمام فلما أن روين صدرن عنه ، وجئن فروع كاسية العظام قال المدائني : فقدم أوس بن ثعلبة على يزيد بن معاوية فأنشده هذا الأبيات ، فقال يزيد : لله در أهل العراق ! هاتان الصورتان فيكم يا أهل الشام لم يذكرهما أحد منكم ، فمر بهما هذا العراقي مرة فقال ما قال ، ويروى عن الحسن بن أبي سرح عن أبيه قال : دخلت مع أبي دلف إلى الشام فلما دخلنا تدمر وقف على هاتين الصورتين ، فأخبرته بخبر أوس بن ثعلبة وأنشدته شعره فيهما ، فأطرق قليلا ثم أنشدني : ما صورتان بتدمر قد راعتا أهل الحجى وجماعة العشاق غبرا على طول الزمان ومره ، لم يسأما من ألفة وعناق فليرمين الدهر من نكباته شخصيهما منه بسهم فراق وليبلينهما الزمان بكره ، وتعاقب الأظلام والأشراق كي يعلم العماء أن لا خالد غير الاله الواحد الخلاق وقال محمد بن الحاجب يذكرهما : أتدمر صورتاك هما لقلبي غرام ، ليس يشبهه غرام أفكر فيكما فيطير نومي ، إذا أخذت مضاجعها النيام أقول من التعجب : أي شئ أقامهما ، فقد طال القيام أملكتا قيام الدهر طبعا ، فذلك ليس يملكه الأنام كأنهما معا قرنان قاما ، ألجهما لدى قاض خصام يمر الدهر يوما بعد يوم ، ويمضي عامه يتلوه عام ومكثهما يزيدهما جمالا ، جمال الدر زينه النظام وما تعدوهما بكتاب دهر ، سجيته اصطلام واخترام وقال أبو الحسن العجلي فيهما : أرى بتدمر تمثالين زانهما تأنق الصانع المستغرق الفطن هما اللتان يروق العين حسنهما ، تستعطفان قلوب الخلق بالفتن وفتحت تدمر صلحا ، وذاك أن خالد بن الوليد ، رضي الله عنه ، مر بهم في طريقه من العراق إلى الشام فتحصنوا منه ، فأحاط بهم من كل وجه ، فلم يقدر عليهم ، فلما أعجزه ذلك وأعجله الرحيل قال :